ابن قتيبة الدينوري

165

تأويل مشكل القرآن

قال أبو محمد : وقد ذكرت الحديث والتفسير وطريقه في كتاب ( غريب الحديث ) . وإنما كنى بالقلص - وهي : النّوق الشّوابّ - عن النساء وعرّض برجل يقال له : جعدة كان يخالف إلى المغيّبات من النساء ، ففهم عمر ، رضي اللّه عنه ما أراد ، وجلد جعدة ونفاه . وقال عنترة « 1 » : يا شاة ما قنص لمن حلّت له * حرمت عليّ وليتها لم تحرم يعرّض بجارية ، يقول : أيّ صيد أنت لمن حلّ له أن يصيدك ، فأمّا أنا فإنّ حرمة الجوار قد حرّمتك عليّ . وقد جاء في القرآن التعريض : فمن ذلك ما خبّر اللّه سبحانه من نبإ الخصم إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ [ ص : 22 ] . ثم قال : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) [ ص : 23 ] . إنما هو مثل ضربه اللّه سبحانه له ، ونبهه على خطيئته به . وورّى عن النساء بذكر النّعاج ، كما كنى الشاعر عن جارية بشاة ، وكنى الآخر عن النساء بالقلص . وروى المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قول اللّه سبحانه ، حكاية عن موسى صلّى اللّه عليه وسلم : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [ الكهف : 73 ] : لم ينس ولكنها من معاريض الكلام . أراد ابن عباس أنه لم يقل : إني نسيت فيكون كاذبا ، ولكنه قال : لا تؤاخذني بما نسيت ، فأوهمه النسيان ، ولم ينس ولم يكذب . ولهذا قيل : إن في المعاريض عن الكذب لمندوحة « 2 » .

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لعنترة في ديوانه ص 213 ، والأزهية ص 79 ، 103 ، والأشباه والنظائر 4 / 300 ، وخزانة الأدب 6 / 130 ، 132 ، وشرح شواهد المغني 1 / 481 ، وشرح المفصل 4 / 12 ، ولسان العرب ( شوه ) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 1 / 329 . ( 2 ) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 5 / 35 بلفظ : « إن في المعاريض لمندوحة عن